الإبداع والشجاعة

الإبداع والشجاعة

نزار سيف الدين – “اللواء”

يتفاجأ المتتبّع لمسار حركة الإبداع في لبنان، ويُصاب المراقب بالدهشة حين يسبر أعماقها ويحلّل الظروف التي تُرافق عمل المبدعين في ظلّ السنوات العجاف اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً.. ورغم الضائقة المادية التي طرقت كل الأبواب، الى جانب الظروف السياسية القلقة، نجد مَنْ وقف رافضاً عن طريق الكلمة والريشة والإزميل واللحن مما أثار الدهشة وأثار الاهتمام، فالشاعر مثلاً يتحول الى فارس الكلمات وعلى حدّ قول أدونيس: «يُقبل أعزل كالغابة وكالغيم لا يُردّ.. وأمس حمل قارة ونقل البحر من مكانه.. ثم ينتظر ما لا يأتي.. حين يصير الحجر بحيرة والظلّ مدينة، يحيا.. يحيا»، هذا عمل المبدعين وهذه مهمتهم في جعل المستحيل ممكناً، ومن اليأس تصنع آمالاً تُمسك بأهداب الحياة، لذا لم تتوقّف حركة الإبداع حتى في أحلك الظروف وأقساها، والمرء يقف مشدوهاً أمام إرادة الحياة التي ترفض الموت وصانعيه وترفض الإذلال على أنواعه، ثم تشير بأصبع الاتهام الى من يقف وراءه!!
 
أمام هذا الواقع المأساوي تنهض حركة الإبداع في ظلّ فقدان الحاجات الطبيعية التي بات الحصول عليها مستحيلاً وصعباً، وفي ظلّ أزمة الماء والكهرباء والرغيف والغلاء المستفحل، مما يجعلنا نُصاب بالدهشة ويفرض علينا طرح ألف لماذا وكيف؟ وقد أجاب «ماك كينن» على هذه الأسئلة قائلاً: «إن الإنسان يلمح في أوصاف المبدع إشارة الى أهم صفاته، ألا وهي الشجاعة، ولسنا نعني بها الشجاعة الجسدية وإنما الشجاعة المعنوية والتي يمكن اعتبارها صفة مركزية عند المبدع».
 
إذن، الشجاعة هي لبّ الموضوع و هي من شيم فرساننا رغم الظروف الموضوعية التي عانوا منها الأمرّين، ونضيف الى هذه الصفة، صفة الأصالة التي كانت وستبقى المحرّك الرئيسي للإبداع عامة ان كان نثراً أو شعراً أو لحناً أو رسماً ونحتاً.. وتجعلنا نقف إجلالاً أمام الذين واجهوا ويواجهون مرارة العيش وشظفه بإيمان، وقد أوضح «جيل فورد» الأمر متجاوزاً مفهوم الإبداع الضيّق، قائلاً: «ان القدرات الإبداعية تُحدّد ما إذا كان الفرد يملك القدرة على إظهار السلوك الإبداعي الى درجة ملحوظة». وهذا ما يميّز المبدعين في وطننا ويدفعنا لرفع القبعة احتراماً لهم.
مشاركة الموضوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!