رثاء في وداع الكاتبة الصحفية السورية يسرى عقيلي

رثاء في وداع الكاتبة الصحفية السورية يسرى عقيلي

اليوم ودّعنا يسرى وأودعناها في ترابٍ رطب في مقبرة بعيدة ٤٠٠ كم عن حلب.
..
كان لا بد أن يحدث هذا وأن تموت بعيداً وأن تدفن بعيداً كما ملايين من السوريين، الذين ماتوا بعيداً ودفنوا بعيداً، كما الملايين الأخرى التي ستموت بعيداً وستدفن بعيداً.
..
عرفتُ يسرى منذ ٤٢ عاماً
وعرفتها في كل أحوالها وأطوارها. منذ أن كانت- بالكاد- قد غادرتْ المراهقة (إن كانتْ غادرتْها) ، إلى أن أصبحتْ جدة.
وعرفتها قبل الزواج وعرفتها بعده
وعرفتها منذ حلب إلى بيروت
وعرفتها منذ أن كانت سليطة اللسان وجريئة على البشر والأشياء، إلى أن صارت أكثر سلاطة وأشد جرأة.
..
لم تتغيرْ يسرى كثيراً
هي ماهي
لمّاحة وصاحبة بديهةٍ سريعةٍ ومُرةٍ، وسخريةٍ أشد مرارةٍ.
هي ماهي
قوية، وهشة، محبة وكارهة، وتديرُ ظهرها بلا تردد لما ( أو من) يؤلمها أو يعكر ايقاع حياتها التي كانتْ واستمرتْ كما رغبتها، إن ْ في حلب أو في بيروت.

حتى في أزمتها القلبية الأولى التي فاجأتنا جميعاً من أكثر من عشر سنوات، لم تغير من ايقاعها. تجاهلتها وأدارتْ ظهرها لها بلا تردد ودون مبالاة.
..
يسرى التي تسمي الأشياء بأسمائها وربما تختار أحياناً أسؤاها والتي لاتقبل أبداً بالحياد،
نقلتُ عنها مراراً ( وسأبقى أنقل) حينُ وصفتُ شخصاً ما ( لاتحبه) بأنه (لطيف) فأجابتْ بحسمٍ وسخرية: اللطف ليس صفة، البقرة لطيفة.
..
٤٢ عاماً يا يسرى مروا سريعاً، حتى أنني أذكر أول لقاء وأول ضحكة في ساحة سعد الله الجابري بحلب. الضحكة التي صاحبتك حتى ساعات ثلاث قبل موتك.

هل تصدقينْ؟
تعبنا حتى وجدنا قبراً لك في المدينة التي أحببتِ
في الموتة القادمة حاولي أن تموتي بجنسيةٍ أخرى؛ السوريةُ لعنةٌ في الحياة وفي الموت.
وفي الموتة الأخرى، حاولي أن تتمهلي قليلا ً، لم يصدق أحدٌ موتك وصاروا يطالبونك أن تعترفي بأنها مزحة.
وفي الموتة الأخرى حاولي أن لاتموتي- سيكون صعباً على أياس أن يحتمل العالم دون عشيقته
وفي الموتة الأخرى، أعطنا تلميحاً ولو خفياً، أنك ستموتين، ربما كنا وجدنا الوقت الكافي كي نقنع الموت، أنك مازلت شابةً يابنتْ
وأن من يستحقون الموت موجودون هناك محصنين بجلادين، في بروجٍ مشيدة، لايطالها الموت.
أما أنتٍ، فكنتِ هشةً ومشغولة بضحكاتك ولم تنتبهي للقاتل الذي وجدك فريسة سهلة، فانقض عليك.
..
ويا بنتُ
يا يسرى ( التي بألفٍ مقصورةٍ كما تحبينها)
سنطلُّ بين الفينة والاخرى على صفحتكِ على الفيس بوك
ربما سيخطر لك يوماً أن تتركي رسالةً لنا، حتى لو غامضة أو لاذعة..
..
لا تنسي
بانتظاركِ

المصدر : فيسبوك

مشاركة الموضوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!